ابن أبي الحديد
99
شرح نهج البلاغة
وشوكة وبأس شديد ، فما بالكم ! لله أنتم من أين تؤتون ! وما لكم تؤفكون ! وأنى تسحرون ! ولو أنكم عزمتم وأجمعتم لم تراموا ، إلا أن القوم تراجعوا وتناشبوا وتناصحوا ، وأنتم قد ونيتم وتغاششتم افترقتم ، ما إن أنتم إن ألممتم عندي على هذا بسعداء ( 1 ) ، فانتهوا بأجمعكم وأجمعوا على حقكم ، وتجردوا لحرب عدوكم ، وقد أبدت الرغوة عن الصريح ، وبين الصبح لذي عينين ، إنما تقاتلون الطلقاء ، وأبناء الطلقاء وأولى الجفاء ، ومن أسلم كرها ، وكان لرسول الله صلى الله عليه أنف ( 2 ) الاسلام كله حربا ، أعداء الله والسنة والقرآن ، وأهل البدع والاحداث ، ومن كان بوائقه تتقى ، وكان عن الاسلام منحرفا ، أكلة الرشا ، وعبدة الدنيا ، لقد أنهى إلى أن ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى أعطاه ، وشرط له أن يؤتيه ما هي أعظم مما في يده من سلطانه . ألا صفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا ، وخزيت أمانة هذا المشترى نصرة فاسق غادر بأموال المسلمين ، وإن فيهم من قد شرب فيكم الخمر وجلد الحد ، يعرف بالفساد في الدين ، والفعل السيئ ، وإن فيهم من لم يسلم حتى رضخ له رضيخة ( 3 ) . فهؤلاء قادة القوم ، ومن تركت ذكر مساوئه من قادتهم مثل من ذكرت منهم ، بل هو شر ، ويود هؤلاء الذين ذكرت لو ولوا عليكم فأظهروا فيكم الكفر والفساد والفجور والتسلط بجبرية ، واتبعوا الهوى وحكموا بغير الحق . ولأنتم على ما كان فيكم من تواكل وتخاذل خير منهم وأهدى سبيلا ، فيكم العلماء والفقهاء ، والنجباء والحكماء ، وحملة الكتاب والمتهجدون بالأسحار ، وعمار المساجد بتلاوة القرآن . أفلا تسخطون وتهتمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم ، والأشرار الأراذل منكم !
--> ( 1 ) كذا في ب ، وهي ساقطة من ا ، ج ( 2 ) أنف كل شئ : أوله . ( 3 ) الرضيخة : العطية القليلة .